ابن قيم الجوزية
339
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
درجات الزهد قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : الزهد في الشبهة . بعد ترك الحرام بالحذر من المعتبة ، والأنفة من المنقصة ، وكراهة مشاركة الفساق » . أما الزهد في الشبهة : فهو ترك ما يشتبه على العبد : هل هو حلال ، أو حرام ؟ كما في حديث النعمان بن بشير رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبين ذلك أمور مشتبهات ، لا يعلمهنّ كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات اتقى الحرام ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى . يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى اللّه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب » . فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام . وقد جعل اللّه عزّ وجلّ بين كل متباينين برزخا ، كما جعل الموت وما بعده برزخا بين الدنيا والآخرة . وجعل المعاصي برزخا بين الإيمان والكفر . وجعل الأعراف برزخا بين الجنة والنار . وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخا حاجزا بينهما ليس من هذا ولا من هذا . فمحسّر برزخ بين منّى ومزدلفة ، ليس من واحد منهما ، فلا يبيت به الحاج ليلة جمع ، ولا ليالي منى . وبطن عرنة برزخ بين عرفة وبين الحرم . فليس من الحرم ولا من عرفة . وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار . ليس من الليل ، لتصرمه بطلوع الفجر . ولا من النهار . لأنه من طلوع الشمس . وإن دخل في اسم اليوم شرعا . وكذلك منازل السير : بين كل منزلتين برزخ يعرفه السائر في تلك المنازل . وكثير من الأحوال والواردات تكون برازخ ، فيظنها صاحبها غاية . وهذا لم يتخلص منه إلا فقهاء الطريق ، والعلماء هم الأدلة فيها . وقوله « بعد ترك الحرام » : أي ترك الشبهة لا يكون إلا بعد ترك الحرام . وقوله « بالحذر من المعتبة » : يعني أن يكون سبب تركه للشبهة : الحذر من توجه عتب اللّه عليه . وقوله « والأنفة من المنقصة » : أي يأنف لنفسه من نقصه عند ربه ، وسقوطه من عينه . لا أنفته من نقصه عند الناس ، وسقوطه من أعينهم . وإن كان ذلك ليس مذموما ، بل هو محمود أيضا . ولكن المذموم : أن تكون أنفته كلها من الناس ، ولا يأنف من اللّه . وقوله « وكراهة مشاركة الفساق : يعني أن الفساق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدنيا . ولتلك المواقف بهم كظيظ من الزحام . فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف . ويرفع نفسه عنها ، لخسة شركائه فيها ، كما قيل لبعضهم : ما الذي زهدك في الدنيا ؟ قال : قلة وفائها ، وكثرة جفائها ، وخسة شركائها : إذا لم أترك الماء اتقاء * تركت لكثرة الشركاء فيه إذا وقع الذباب على الطعام * رفعت يدي ونفسي تشتهيه